ما غيره الفيلسوف.. وما تغير فيه
    منذ 18 شهر
    0
    مشاركة
    0
    تعليق
    457
    مشاهدة

    مع اقتراب نصف الموسم الأول في إنجلترا من نهايته، يبدو جليًا للجميع أن أقوى دوري في العالم يتحدث الآن باللغة الكتالونية البينة، فبيب جوارديولا دخل بفريقه مانشستر سيتي هذا الموسم، لينافس نفسه على الأرقام القياسية.

    مع اقتراب نصف الموسم الأول في إنجلترا من نهايته، فاز السيتي على كل منافسيه من البيج "فايف" الحاليين، مانشستر يونايتد، تشيلسي، ليفربول، توتنهام، وأرسنال، من تلك اللقاءات ما هو خارج ملعبه، ومنها ما هو عليه، وبالتالي فالعينة واضحة، والتفوق بيّن، خارج وداخل الديار، وهو ما يعني أن الفريق متكامل، والأمر أكبر من مجرد طفرة المباريات العشرة الأولى التي كان بيب منطلقًا خلالها بسرعة الصاروخ الموسم الماضي، قبل أن يهوي من حالق وينهي الموسم فرحًا بالتأهل لدوري الأبطال لا أكثر، بعد موسم طالب الجميع فيه بعدم الحكم عليه من خلاله، والاكتفاء بمشاهدة السماوي يرتع في ملاعب الخصوم الموسم الجاري، وهو ما كان.

    بادئ ذي بدء، دعونا نتحدث عن ثقافة بيب جوارديولا الكروية، ومدرسته في التدريب، كيف يدافع؟ وكيف يهاجم؟ ولماذا يعد بشكل جلي، فيلسوفًا حقيقيًا للكرة الحديثة؟.

    جوارديولا يعتمد على نقاط واضحة في أي فريق يتولى مهام تدريبه، أبرزها، ففريق جوارديولا لابد أن يشتمل على 22 لاعبًا يستطيعون لعب الكرة بشكل جيد، لا يمكن استخلاص الكرة من بين أقدامهم، يجيدون التمرير من لمسة واحدة، 22 يضمون حارسي المرمى بالمناسبة!.

    بناء الهجمة من الأمام للخلف، لا طريق مرسومًا له، قد تجد بيكيه في برشلونة يراوغ لاعبين من هجوم الخصم، ويتقدم في هجمة عنترية، فيعود بوسكيتس لمساحة متأخرة من الملعب تغطي تقدم بيكيه، وتستطيع أن ترى بيكيه في وسط ملعب الخصم 5 دقائق متواصلة يساهم في تحضير اللعب.

    ومن الممكن أن تجد خافي مارتينيز في بايرن ميونيخ، يقوم بنفس الهجمة العنترية، ثم لا يلبث أن يفرغ المساحة للأظهرة ولاعبي الوسط صناع اللعب.

    الأهم عند جوارديولا، ألا يفقد لاعب من لاعبيه الكرة على الإطلاق، وأن تكون الأولوية لدى ضياع الكرة، لاستردادها بأي عدد من اللاعبين القائمين للضغط، لا مجرد العودة للالتزام بالمراكز كما تقوم باقي الفرق حول العالم.

    وعليه، فلابد من 22 لاعبًا جاهزين بدنيًا لكل هذا القدر من الركض دون توقف، إما بالتحرك في المساحات لاستقبال التمريرات، أو استعادة الكرة.

    هذا فيما يتعلق بمرحلة التحضير، ومن ثم نأتي للجزء الأهم، كيف يهاجم جوارديولا؟.

    طريقة جوارديولا مع أي فريق دربه، تقتضي أن يتمركز الـ 11 لاعبًا طيلة امتلاك الفريق للكرة، في ثلثي الملعب الخاصين به، وترك الثلث الأخير لتحركات حرة تمامًا يقوم بها على الأقل 7 لاعبين، يمتلكون كافة الحلول الهجومية، وهو حريص كل الحرص على انتقاء أفضل من يمكن له أن يلعب كرة القدم في فرقه.

    7 لاعبين هم على الأقل، 3 يمتلكون مواقع المقدمة في الرسم التكتيكي الاعتيادي، ولاعبي خط وسط متقدمين من مرحلة التحضير، بالإضافة إلى الظهيرين الطائرين في كل خطط جوارديولا.

    تحركات اللاعبين السبعة، تتغير باختلاف الفريق واختلاف الإمكانيات، في برشلونة كان متاحا لكل من إنييستا وتشافي وميسي بدء التحضير من أول نقطة في ملعب برشلونة، وهو ما يمكن رؤيته في هدف برشلونة في ريال سوسيداد بملعب نو كامب، موسم 2009 – 2010، حين بدأ ميسي التحضير مع دانييل ألفيس من نقطة بعيدة في منتصف ملعب برشلونة، قبل  أن يصل بها ميسي بتمرير بيني مع ألفيس، إلى مرمى سوسيداد "برافو" حينذاك.

    أتتذكرون هدف برشلونة الثاني أيضًا في مرمى ريال مدريد في مباراة الخماسية الشهيرة 2009-2010؟ نعم، ذلك الذي سجله بيدرو رودريجيز، أتتذكرون كيفية التحضير، ديفيد فيا، مهاجم العمق –على الورق- في خطة جوارديولا، يراوغ راموس على الرواق، ويرسل عرضية يحاول كاسياس إبعادها، قبل أن تصل إلى بيدرو رودريجيز الموجود في قلب الست ياردات ليسجل الهدف، بيدرو أثناء مراوغة فيا كان في أقصى الجناح، وميسي قرب خط الـ 18.

    هنري قال هذا في أحد الستوديوهات التحليلية: "جوارديولا لم يكن يقيد حركتنا أبدًا في الثلث الأخير، كان يقول لنا (مهمتي أن أوصلكم لتلك النقاط، ومهمتكم ألا تتوقفوا عن التحرك) وكانت خطتنا التكتيكية تشمل ثلثي الملعب الأولين فقط".

    أي أن الفريق إن كان يلعب 4-3-3، فإن هذا يعني أن رأس الحربة الوهمي "الذي كان ميسي في أغلب الأحيان" مشاركًا بقوة في صناعة اللعب من الخلف، وهو "أو أي من اللاعبين السبعة المذكورين" يستطيعون الوجود في مواقع إنهاء الهجمات.

    الخلاف الرئيسي بين مهاجمين عظيمين مثل صامويل إيتو، وإبراهيموفيتش، في خط الهجوم لبرشلونة، كان هذا الأسلوب، إيتو كان يفضل أن يركض من منتصف الملعب، بالكرة أو من غيرها، ولم يكن معتادًا على المساهمة في التحضير والاكتفاء بالانطلاق في الثلث الأمامي، فكان يغرد منفردًا عكس كل تطلعات بيب، الأمر الذي خلق جوًا مشحونًا بينهما وصفه إيتو بعد ذلك في لقاء تليفزيوني قريب بأن "بيب كان يطلب مني تحركات لم أكن أرى منها أي جدوى، فلم أقم بها، ولحسن حظه، فقد سجلت 35 هدفًا تقريبًا، بدون تحركاته".

    أما إبراهيموفيتش، فكان خلافه المحوري مع جوارديولا، أنه في الإنتر قدم كل شيء في كرة القدم، ولم يكن مورينيو يطالبه بأي دور دفاعي، أو حتى هجومي، كل شيء كان إبراهيموفيتش يقوم به على طريقته، وكان نتاج ذلك ألقاب عديدة، وأداء استثنائي من السلطان، وعندما أتى إلى برشلونة بطلب من جوارديولا قطعًا، كان ينتظر منه دورًا شبيهًا بما كان يؤديه هنري على الرواق، أو ربما أراد تجريب شيء آخر لرأس الحربة، لأن بيب كان في ثاني سنين تدريبه الاحترافي، وكان يفتقر إلى الخبرة بشكل كبير، فكان ما كان من خلافات انتهت برحيل إبرا بعد موسم واحد فحسب.

    في مانشستر سيتي، يتكرر الأمر بحذافيره، مع نضج جوارديولا على الصعيد الدفاعي بشكل ملموس، 7 لاعبين دائمو الركض خلف الكرة، واستلامها وتمريرها والمراوغة بها، لعبتهم جميعًا، في السيتي، هؤلاء اللاعبون هم، ووكر، ديلف، سيلفا، دي بروين، سترلينج، ماني، جيسوس، وبدلاؤهم جميعًا، التحضير يبدأ بكل هذا العدد أثناء امتلاك السيتي للكرة، وقد يبدأ من فيرناندينيو أو أوتاميندي، أو ستونز، الثلاثي الدفاعي الثابت الذي يستطيع أيضًا تمرير الكرة ونقلها بسلاسة بين خطوط الملعب، بل يوفر جوارديولا لأوتاميندي في كثير من الأحيان أن يوجد في بقاع متقدمة من الملعب ويسجل أهدافًا عديدة، تمامًا كالدور الذي لعبه بيكي في برشلونة، ومارتينيز أو بواتينج في بايرن ميونيخ.

    أما اللاعب المحوري الذي تقوم عليه خطة بيب، والذي يملك الحسم في أي وقت، فهو بالتأكيد دي بروين، الذي يصنع منه جوارديولا شيئًا جديدًا على مستوى لاعبي خط الوسط في العالم بدون مبالغة.

    فدي بروين يوجد في كافة بقاع الملعب، ويتمركز في كافة الواجبات الدفاعية والهجومية، ويدخل منطقة الجزاء بكثافة، ويملك الحرية الكافية لفعل ما يحلو له، ويطالبه جوارديولا بتسريع معدل الأداء أو الهبوط به كيفما يتراءى للبلجيكي في الميدان.

    هو يريد أن يصنع منه نسخة "خططية" من ميسي، على ما بين اللاعبين من فوارق جمة، فميسي لدى جوارديولا، هو الوحيد الذي يستطيع نزول الميدان بدون أي تعليمات من بيب، كما قال وكرر في أكثر من مناسبة.

    ولكن، من يفاجئنا في خطة جوارديولا هذا العام في سيتي؟ دعك من إبداعات دي بروين وساني وسرعة سترلينج وثقل جابرييل جيسوس الذي يشعرك أنه ابن الثلاثين لا العشرين، المفاجأة الكبرى لدى جوارديولا، كايل ووكر.

    ووكر، الظهير الأيمن الاعتيادي، كثير الطلعات الهجومية، والمميز أيضًا بأدائه الدفاعي المعقول، يمكنك أن تراه في أكثر من مناسبة، رأس حربة صريحًا في مباريات السيتي، الأهم أن يكون أول الراكضين على الكرة فور اختطافها من السيتي وقبل بدء المنافس التفكير في التحضير حتى، ومكانه هذا شأن دفاعي آخر، لكن الأولوية دائمًا للكرة، الكرة فقط.

    هذا التطوير على مستوى تحركات الأظهرة ومساهمتهم في بدء وتحضير وإنهاء الهجمات، لم يكن قبل ذلك عند برشلونة أو بايرن بيب، الدور الهجومي الذي كان منوطًا به ألفيس أو ألابا على سبيل المثال، كان أن يتم كنس الرواق مع الجناح، وإفراغ مساحات كاملة للتحركات، وبالطبع المساهمة في تناقل الكرة، والاقتدار في منافسات الواحد لواحد.

    تطور آخر لدى بيب، يتمثل في كيفية تعامله مع الكرات الثابتة، سجل منها على سبيل المثال هدفي الانتصار أمام مانشستر يونايتد في الأولد ترافورد، وبات لاعب قصير القامة مثل جوندوجان مؤهلًا للاستفادة منه في مواضع كتلك، حتى إنه سجل هدفًا بها في توتنهام مباشرة، وأصبحت نقطة لم يكن يستغلها بيب جيدًا في السابق، نقطة قوة واضحة له أمام الخصوم.

    بالتأكيد، يبدو بيب أكثر نضجًا من ذي قبل، ولكن الاختبارات الحقيقية ستكون في مواصلة التحفيز البدني وآلية التدوير لأن إنجلترا "بدنيًا" غير، وأيضًا على مستوى دوري الأبطال، خصيصًا وأن المشوار ممهد بمواجهة سهلة أمام بازل في دور الـ 16، ولكن الخصم في قابل الأدوار لن يكون سهلًا، وعليه سنرى ما يمكن لبيب أن يفعله أمام خصوم كبرشلونة وريال مدريد وبايرن وباريس سان جيرمان، بمستوى خططي وفني عالٍ للغاية.

     

     

    كلمات بحثية :
    انت كمان ممكن تبقى كاتب على موقع راية و صفارة وتعبر عن رأيك وتحصد النقاط سجل الان
    معلومات شخصية